الشيخ محمد رشيد رضا
348
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المصابة بالثقل أو الصمم لان سمعها وعدمه سواء . والأكنة جمع كنان كالاسنة جمع سنان ، والوقر بالفتح الثقل في السمع والصمم وبالكسر الحمل ، يقال وقر سمعه يقر فهو موقور ، إذا كان لا يسمع ، وأوقر الدابة فهي موقرة وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها يقول اللّه تعالى في هؤلاء الذين لا يسمعون ما يتلو عليهم الرسول سماع تدبر ولا يفقهون كنه ما يدعو اليه : وان يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك وصدق دعوتك وحقية ما تدعو اليه لا يؤمنوا بها لأنهم لا يفقهونها ولا يدركون كنه المراد منها ، لعدم التوجه أو لوقوف اسماعهم عند ظواهر الالفاظ حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ أي حتى إذا صاروا إليك أيها الرسول مجادلين لك في دعوتك يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي يقولون لاصرارهم على كفرهم وانتفاء فقههم : ما هذا القرآن الا أساطير الأولين من الأمم ، أي قصصهم وخرافاتهم . يعني انهم لا يعقلون مما في القرآن من أنباء الغيب في قصص الأمم مع رسلهم الا أنها حكايات وخرافات تسطر وتكتب كغيرها ، فلا علم فيها ولا فائدة منها ، وربما جعلوا القرآن كله من هذا القبيل ، قياسا لما لم يسمعوا على ما سمعوا ، أو لغير القصص على القصص . وهكذا شأن من ينظر إلى الشيء نظرا سطحيا لا ليستنبط منه علما ولا برهانا ، ويسمع الكلام جرسا لفظيا لا يتدبره ولا يفقه أسراره ، فمثل هذا وذاك كمثل الطفل الذي يشاهد ألعاب الصور المتحركة يديرها قوم لا يعرف لغتهم فكل حظه مما يرى من المناظر ومن المكتوبات المفسرة لها لا يعدو التسلية . ولو عقل هؤلاء المقلدون الغافلون قصص القرآن وتدبروا معانيها لكان لهم منها آيات بينة على صدق دعوة الرسول ( ص ) ونذر عظيمة مما فيها من بيان سنن اللّه تعالى في الأمم ، وعاقبة أمرهم مع الرسل ، وغير ذلك من الحكم والعبر . وان في أهل هذا العصر من لا يفكر في إتيان الاميّ الناشئ بين الأميين بخلاصة أخبار أشهر الرسل مع أقوامهم لأنه يرى أو يسمع ان ما في القرآن من ذلك يشبه ما في غيره من كتب اليهود والنصارى وكتب التاريخ ولا يرى في هذا ما يبعثه إلى البحث في الفرق بين ما في القرآن وما في غيره ، وهو من وجوه أهمها في باب اثبات